Telegram Web Link
خطبة استعينوا بالله واصبروا

الحمد لله رب العالمين، كاشف الغم، وفارج الهم، ومنفس الكرب، ومجيب دعوة المضطر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه مخاطباً عباده [أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [النمل: 62]، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وقدوة الخلق في الاستعانة بالرب العظيم، للهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
عباد الله اتقوا لله ربكم، وأطيعوه في سركم وعلنكم، وراقبوه في جميع زمنكم، فاتقوا الله حق التقوى فقد امر بذلك القائل عز وجل{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون } ، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }
عباد الله: إن المتأمل في حياتنا يجد أن بعض الناس قد تعلقت قلوبهم بالأسباب، وانصرفت عن مسبب الأسباب، ومالك الأرض والسماء، ومدبر شؤون العباد بأمره وحكمته، ونسي هؤلاء قول الله تعالى في سورة الفاتحة [وإياك نستعين].
نعم اخوة الإيمان وفقكم الله تعالى /إن المؤمن الذي يريد أن يرتقي في أشرف منازل الآخرة ، لا يستطيع أن يرتقي إلا بعد عون الله وتوفيقه له ، والمصلي كل يوم يقول في كل ركعة من صلاته { إياك نعبد وإياك نستعين } .,,,, ولكن كثيرا من الناس لا يفقه شيئا عن الاستعانة بالله ، وأنها ضرورية ومهمة في حياة المؤمن ولن يستطيع أن ينجز شيئا من أعماله الدينية أو الدنيوية إلا بعد توفيق الله وإعانته وتسهيله وتيسيره له ... قال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }معناها : نخصك يا ربنا وحدك بالعبادة والاستعانة .
فكأنه يقول : نعبدك ، ولا نعبد غيرك ، ونستعين بك ، ولا نستعين بغيرك .
- و العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال ، والأقوال الظاهرة والباطنة.
- و الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ، ودفع المضار ، مع الثقة به في تحصيل ذلك
- والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما.
أيها المؤمنون: عباد الله: الاستعانة بالله تحقيق للتوحيد، وعصمة للقلب، وملاذ للنفس، وطمأنينة للفؤاد، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أحفظ ولا أسلم للمؤمن من الاستعانة بالواحد الأحد -جل وعلا-؛ فهل يُهْزم من استعان به؟ وهل يخاف من لجأ إلى محرابه؟ وهل يحرم من انطرح على أعتابه؟
إن الاستعانة بالله -جل وعلا- حفظ للمرء، وصيانة للنفس، وحماية للدين، وأمنٌ من المخاوف، وضمان من المخاطر، ونجاة من المهالك، ونصرة على الأعداء، وحرز من الشيطان،،، ولذلك كانت الاستعانة بالله من أجل العبادات وأعظمها وأكثرها أثراً وتوفيقاً.
والاستعانة بالله معناها طلب العون من الله -تعالى-, المتضمن لكمال الذل من العبد لربه -سبحانه-، وتفويض الأمر إليه وحده، واعتقاد كفايته..... وقد أمر الأنبياءُ أقوامهم بالاستعانة بالله وحده, قال-سبحانه-: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128], وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستعانة بالله وحده؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: “إذا استعنت فاستعن بالله” (رواه الترمذي).
قال الأمير الصنعاني -رحمه الله-: “وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : “إذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ” مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تعالى، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]؛ أَيْ نُفْرِدُك بِالِاسْتِعَانَةِ, أَمَرَهُ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ أَيْ إفْرَادُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ.
وَفِي إفْرَادِهِ -تعالى-بِالِاسْتِعَانَةِ فَائِدَتَانِ:
الْأُولَى: أَنَّ الْعَبْدَ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِقْلَالِ بِنَفْسِهِ فِي الطَّاعَاتِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا مُعِينَ لَهُ عَلَى مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ إلَّا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَمَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ؛ فَهُوَ الْمُعَانُ، وَمَنْ خَذَلَهُ؛ فَهُوَ الْمَخْذُولُ, وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: “احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ“, و
ئاً فشق عليهم فاشقق عليه بقوتك يا قوي يا عزيز،.. اللهم احفظ اليمن، اللهم احقن دماء اليمنيين ولم شعثهم ووحد صفهم وألف بين قلوبهم، اللهم امكر بمن يمكر بيمننا وشعبنا وانتقم من المعتدين على شعبنا انك على كل شيء قدير....ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم...ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتهم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
َعَلَّمَ -صلى الله عليه وسلم- الْعِبَادَ أَنْ يَقُولُوا فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ: “ان الْحَمْدُ لِلَّهِ نحمده ونَسْتَعِينُهُ“.
فَالْعَبْدُ أَحْوَجُ إلَى مَوْلَاهُ فِي طَلَبِ إعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ, قَالَ سَيِّدَنَا يَعْقُوبُ -صلى الله عليه وسلم- فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 18]”.
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: “بقدر ما يركن الشخص إلى غير الله -تعالى-, بطلبه, أو بقلبه, أو بأمله؛ فقد أعرض عن ربه إلى من لا يضره ولا ينفعه“.
معاشر المسلمين: ولعظم عبادة الِاسْتِعَانَةِ وأهميتها؛ فإن الله أفردها من بين سائر العبادات, وتعبد المسلم بها في كل ركعةٍ يصليها؛ فإنه يقرأ قوله -تعالى-: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ),
وفي هذه الآية اجتمع أمران عظيمان عليهما مدار العبودية؛ الأول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تبرؤ من الشرك, والثاني (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تبرؤ من الحول والقوة ؛ فالمعنى لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك, قال ابن تيمية -رحمه الله-: “تأملت أنفع الدعاء؛ فإذا هو سؤال العون على مرضات الله , ثم تأملته فرأيته في الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)”.... فالعبادة هي الغاية التي خلق الناس لأجلها, والاستعانة هي الوسيلة إليها؛ فإذا لم يعن الله عبده على طاعته, ولم يطلب العبد إعانته على ذلك؛ لا تحصل منه تمام العبادة, ولذلك علَّم النبي -عليه الصلاة والسلام- معاذاً دعاءً يحافظ عليه بعد كل صلاة مكتوبة, يطلب العون من ربه في أداء عبادته؛ فعنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِي يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: “يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ” فَقَالَ مُعَاذٌ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: “أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ؛ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” (رواه أَبُو داود والنسائي وأحمد).... قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “وأما الاستعانة بالله -عز وجل- دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره, ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -عز وجل-؛ فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول, وهذا تحقيق معنى قول: “لا حول ولا قوة إلا بالله”؛ فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله, وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة, فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات, وترك المحظورات, والصبر على المقدورات, كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة, ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -عز وجل-, فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه” .. وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” (أَخْرَجَهُ مُسْلِم), يعني: لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله -سبحانه وتعالى-؛ لأنّه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلْت من الأسباب؛ فإنّها لا تنفع إلاّ بإذن الله -تعالى-؛ فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله -عزّ وجلّ-.
أيها الاخوة المسلمون : إننا أحوج ما نكون اليوم إلى تربية أنفسنا على الاستعانة بالله والثقة به والتوكل عليه لنحقق العبودية الحقة لله وكمال الإيمان به -سبحانه وتعالى- القائل:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال4-3:]... إننا بحاجة إلى تربية أنفسنا على الاستعانة بالله والاعتماد على الله والثقة به وبذل المستطاع من الأسباب المادية والشرعية لتستقيم أحوالنا وتفرج همومنا وتدفع عنا البلايا والمصائب والفتن، ذلك أنه لما ضعف التوكل على الله وقع عدد من المسلمين في الشرك و لجأ كثير من الناس إلى ارتكاب المحرمات والموبقات لتأمين متطلباتهم وتوفير حاجياتهم وتحقيق رغباتهم؛ فسفكت الدماء وضيعت الأمانات وظهر الغش والجشع وحلت الشحناء والبغضاء بين الناس وباع الرجل دينه بعرض من الدنيا قليل بل وبعض الناس يبيع دينه بدنيا غيره ،، وسكت كثير من الناس عن قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فظنوا وهم في حالة ضعف أن الرزق والأجل يمكن أن يتحكم بهما أحدُ من البشر وأرضى الناس المخلوق بضعفه وفقره وحاجته ونسوا الخالق -سبحانه- بقوته وقدرته وسعة ملكه.،،، قال الله تعالى: (مَثَل
ُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41]... وقال شقيق البلخي: لكل واحد مقام؛ فمتوكل على الله؛ ومتوكل على ماله، ومتوكل على نفسه، ومتوكل على لسانه، ومتوكل على سيفه، ومتوكل على سلطانه، بل ظهر القلق والخوف والهلع في حياة الناس على الحاضر والمستقبل والطعام والشراب والأولاد والوظيفة والمال والغنى والفقر والصحة والمرض بسبب ضعف الاستعانة بالله والتوكل عليه؛ لأن قلوبهم لم تتصل بالله ولم تعتمد عليه فضاقت النفوس وتكدرت الأحوال ولم يصل المرء إلى غايته ومبتغاه فخسر دينه ودنياه وآخرته... لقد نسي هؤلاء أن الله هو الذي بيده الموت والحياة، وكل شيء عنده بمقدار وأنه كتب الآجال وقدر الأقدار وحكم بين العباد ولا يجري في هذا الكون أمر؛ إلا بإرادته ومشيئته وعنده علم الغيب لا ينازعه فيه أحد، قال تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [الأنعام:59]؛ قَالَ رَجُلٌ لِمَعْرُوفٍ الكرخي: أَوْصِنِي، قَالَ: “تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَكُونَ جَلِيسَكَ وَأَنِيسَكَ، وَمَوْضِعَ شَكْوَاكَ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَكَ جَلِيسٌ غَيْرُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّفَاءَ لِمَا نَزَلَ بِكَ كِتْمَانُهُ، وَأَنَّ النَّاسَ لَا يَنْفَعُونَكَ وَلَا يَضُرُّونَكَ، وَلَا يُعْطُونَكَ وَلَا يَمْنَعُونَكَ”
اخوة الإسلام /من ترك الاستعانة بالله العظيم ذي الجمال والجلال, والكبرياء والعظمة, والجبروت والملكوت, واستعان بغيره من المخلوقات العاجزة الضعيفة؛ وكله الله إلى من استعان به؛ فصار مخذولا,
قال الشاعر: إن لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
أيها المؤمنون: لقد اقترنت الاستعانة في القرآن الكريم بركن من أركان الإسلام؛ فقرن بينها وبين الصلاة؛ فكانت صفة الصبر ملازمة مع الصلاة في موضعين من مواضع وعظ الله تعالى وتوجيهه لعباده المؤمنين، فقال الله عز وجل: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153]... اللَّهُمَّ أَعِنِّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه.
اقول ما تسمعون واستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا اليه انه هو التواب الرحيم

لخطبة الثانية:
الحمد لله الذي تفرد بالعز والجلال، وتوحد بالكبرياء والكمال، أذل من اعتز بغيره غاية الإذلال، وتفضل على المطيعين بلذيذ الإقبال، بيده ملكوت السماوات والأرض ومفاتيح الأقفال، لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه وهو الخالق المتعال، وأشهد إن لا اله إلا الله, وحده لا شريك له له الملك, وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه الذي أيده بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، وزينه بأشرف الخصال، ، للهم صل عليه وعلي آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه، ومن اتبعهم بإحسان إلي يوم الدين،
أما بعـــد: فاتقوا الله عباد الله القائل عز وجل: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(لقمان).
احباب النبي محمد صلى الله عليه وسلم /: كم نحن بحاجة إلى الاستعانة بالله، للخروج من الفتن، وإصلاح الأوضاع، والنصر على الأعداء، ودفع الخطوب والمكاره، وكم نحن بحاجة للاستعانة بالله، في دفع الهموم والأحزان؛ فإذا أصابَ الإنسان حزن تجِد السرّور ليسَ لَه سبيلا إليه والبؤس على وجهِه؛ فينعزِل عنِ النّاس، وتكونُ الكَآبة فراشِه والهمّ سمائه؛ فلِمَاذا كلّ هذا ؟!!. ونسي ان الامو كلها بيد الخالق عز وجل القائل سبحانه: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ
سي في حياة المسلم الصادق مع ربه، فبقدر تعلقه به، وحبه له، وعلمه بقدرته بقدر ما يكون في قلبه من قوة الاستعانة به، وعلى النقيض من ذلك فالمتعلق بغير الله في جلب النفع أو دفع الضر هو أضعف الناس استعانة بالله. وهكذا تتفاوت مقادير الاستعانة في القلوب.
ولقد ذكر الله نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه اجتمع عليهم المشركون والمنافقون واليهود في غزوة الخندق، فاستعانوا بربهم وتوكلوا عليه وأخذوا بالأسباب فجاءهم العون والمدد من رب الأرض والسماء، قال تعالى واصفاً هذا الموقف العظيم [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً]، ولكن هل نقص ذلك من استعانتهم بالله، بل قال الله تعالى عنهم [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً]، فجاءهم النصر مع الصدق وحسن الاستعانة بالله [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً](الأحزاب)،،، وهكذا المسلمون في جميع أحوالهم لابد أن تتعلق قلوبهم بربهم، وأن يتوكلوا عليه حق التوكل، وأن يستعينوا به في قضاء حوائجهم، فمن يملك الأمر من قبل ومن بعد سواه، ومن يملك المرض والشفاء سواه؟ ومن يملك الأرزاق سواه، ومن يغيث الملهوف سواه، ومن ينجي المكروبين من الغم سواه؟ ومن يدفع البأساء والضراء عن المؤمنين سواه، ومن ينصر المظلومين سواه؟ ومن يهدي العاق بوالديه سواه؟ ومن يقبل توبة التائب سواه؟ سبحانه جل جلاله وعظم سلطانه.... فعلقوا قلوبكم بالله العلي القدير، وليبحث كل منا عن النقص الحاصل في حياته، وليعلم أنه بقدر استعانته بربه وتعلقه به بقدر ما يحصل عليه من العون من الله تعالى وفضله.
ايها الاخوة المؤمنون وفقكم الله ورعاكم / استعينوا بربكم في جميع أحوالكم وشؤونكم، وتوكلوا عليه حق التوكل تنالوا الفضل العظيم، والعطاء الجزيل.
أسأل الله الكريم بمنه وفضله أن يجعلنا ممن يتوكلون على الله حق التوكل، وأن يجعلنا ممن يستعينون به حق الاستعانة. اللهم خذ بأيدينا لما يرضيك، وامنن علينا بالعمل الصالح الرشيد.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا )) اللهم صلى وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على نهجه، وترسموا خطاه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم نلقاه ، وعنَّا معهم بجودك وعفوك يا عزيز يا غفَّار.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، سحا طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد، وتجعله زاداً للحاضر والباد. ... اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم اجمع كلمتهم على الحق والهدى ، وعلى التوحيد والسنة يا أرحم اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم .. اللهم احفظ كل مسلمٍ ومُسلمة، اللهم فرِّج همومَهم، اللهم نفِّس كُرُباتهم، اللهم أدخِل السعادةَ والسرورَ على قلوبِهم، والأمنَ والأمانَ على بُلدانهم، اللهم انشر الرخاءَ والسخاءَ في بلاد المُسلمين.... اللهم وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه يا كريم. اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين من كل سوءٍ ومكروهٍ، اللهم حقِّق لنا الأمنَ والإيمانَ، ،،، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. ، اللهم يا فارِجَ الهمِّ، يا كاشِفَ الغمِّ فرِّج الهمومَ والغمومَ عن المُسلمين في كل مكانٍ يا حيُّ يا قيُّوم. ٌ..... اللهم اجعل اليمن آمناً أماناً سخاءاً رخاءاً وجميع بلاد المسلمين اللهم ول علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئاً فرفق بهم فارق به ومن ولي من أمر المسلمين شي
فَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ} (يونس).
والاستعانة تنقسم إلى قسمين: قسم محمود، وقسم مذموم.
فالقسم المذموم هو الاستعانة بالخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله: كإجابة الدعاء وكشف البلاء، والهداية، والإغناء، ونحو ذلك، فالله تعالى هو المتفرد بذلك الذي يسمع ويرى، و يعلم السر والنجوى، وهو القادر على إنزال النعم، وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم، والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خَلَقَها و يَسَّرها، فهو مُسبب الأسباب التي بها يحصل ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلي أن يقول في صلاته (وإياك نستعين).... ومثال الاستعانة بغير الله : كمن يستعين بالمقبور الميت في كشف الضر، أو جلب النفع، وكل ذلك مخالف لقول الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (الأعراف)، وهذا شرك أكبر يخرج من الملة إن اعتقد صاحبه أن الاستعانة بغير الله تجلب له ذلك. والمسلم قد يستعين بغير الله في قضاء بعض الحوائج الدنيوية ، ولكنه لا يستعين في عِظَمِ الأمور إلا بالله، ولا تعد الاستعانة حقيقية إلا بالاستعانة بالله وحده، كما قال تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ](المائدة)... وأما القسم الثاني المحمود: فهو الاستعانة بالله تعالى وحده، والتبرؤ من الحول والقوة، وتفويض الأمر إلى الله عز و جل، و هذا المعني في غير آية من القرآن كما قال تعالى[فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ](هود)، وقوله تعالى [قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ] [الملك : 29] وقوله عز وجل [رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً](المزمل) إلى آخر الآيات.
إخوة الإسلام /إن افتقار العبد إلى عبادة ربه وحاجته إليه لا يعدلها حاجة، ونعيمه بها لا يعدلها نعيم، ولما كان الإنسان لا يستطيع جلب ما ينفعه ودفع ما يضره إلا بالاستعانة بالله سبحانه والتوكل عليه،،،، ولما كانت العبادة هي أم المنافع وغايتها، جاء الإرشاد منه سبحانه إلى ضرورة الاستعانة به عز وجل، والتوكل عليه في تحقيق الغاية العظيمة والثبات عليها. ومن أجمع الأدعية وأنفعها في هذا المقام: ما ورد في سورة الفاتحة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، حيث فرض الله سبحانه علينا أن نناجيه وندعوه بها في كل صلاة....فلا يعبد بحق ويستحق العبادة إلا الله وحده، ولا يستعان، وليس أهلاً للاستعانة إلا الله تعالى وحده. والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا يجوز الاستعانة إلا به. وفي هذا امرين: الأول: أنّه عبدٌ للهِ لا يعبُدُ أحداً سواه, ولا يتوجَّه برغبتِه ورهبتِه ومحبتِه ورجائِه وصلاتِه ونُسُكِه وجميعِ عباداتِه إلا للهِ وحدَه, لا يَشرِكُ به شيئاً.... والثاني: أنّه لا يَستعينُ على قضاءِ حوائجِه، وكَشْفِ كُرَبِه وتفريجِ همومِه، وإجابةِ دعائِه وتحقيقِ آمالِه ورفعِ آلامِه، إلا بالله، فهو القادرُ وحدَه على كلِّ شيء، وهو المستعان على كلِّ شأن, وهو بهذا يَعترِفُ لربِّه بالقوَّةِ المطلقة والقدرةِ التامة، والعلمِ الكاملِ والرحمةِ الواسعةِ والربوبيةِ الشاملة, والفضلِ والمُلْكِ والإنعام، لله جَل جَلالُه وتَقدَّستْ أسماؤه.
ومن الملاحظ أنه قد قرنت العبادة بالاستعانة ليدل على أن العبد لا يستطيع أن يقوم بأي عبادة إلا بإعانة الله وتوفيقه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه العبادة. ... فالاستعانة بالله علاج لغرور العبد وكبريائه، و”يجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته”... والعباد كلهم مجبولون على الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه في شؤونهم، ولكن حسن الاستعانة والتوكل يختلفان من قلب إلى قلب، ومن شخص إلى شخص، فبقدر قوة الإيمان واليقين عند العبد بقدر ما يقوي عامل الاستعانة بالله، وحسن الظن به، وتسليم الأمر له، لعلم القلب بحاجته إلى فضل الله تعالى وتيسير أمره...

ولو نظر كل منا في حاله في أمور دنياه وآخرته لوجد أنه يحتاج إلى عون الله تعالى حتى في جلب أنفاسه، فلا يستطيع أحد القيام بحق الله تعالى إلا بالاستعانة به على ذلك، فها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول [اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك]، فهو يحتاج إلى عون الله وفضله لأداء حقه على الوجه الذي يرضيه. وهل المسلم يستطيع أن يتوضأ أو يصلي، أو يسجد أو يركع أو يسبح أو يذكر الله إلا بعونه، وهل يستطيع أيضاً أن يحج أو يعتمر، أو يزكي أو يصوم، أو يبر والديه أو يحسن إلى الناس إلا بعون الله تعالى
عباد الله: إن الاستعانة مطلب أسا
🎤
خطبة.جمعة.بعنوان.cc
مراقبة الله سبحانه وتعالى والخوف منه
للشيخ /علي عبد الخالق القرني
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الخطبـــة.الاولـــى.cc

إن الحمد لله نحنده ونستعينه ونستغفيره وتوب إليه.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته.


أشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.


(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)
أما بعد عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ جل وعلا، وأن نقدمَ لأنفسِنا أعمالاً تبيضُ وجوهَنا يوم نلقى اللهَ
(يومَ لا ينفعُ مالُ ولا بنونَ إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم).


(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا).


(يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون)
(يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)
يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور،
(يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا).


(ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)
يوم الحاقة يوم الطامة يوم القارعة يوم الزلزلة يوم الصاخة
(يوم يفر المرء من أخية، وأمه وأبيه، لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه)
ثم أعلموا يا عباد اللهِ أن رقابةَ البشرِ على البشرِ قاصرة، وأن رقابةَ المخلوقاتِ على بعضها قاصرة.


البشرُ يغفل، والبشرُ يسهو، ينام، يمرض، يسافر، يموت
إذا فلتسقطُ رقابةَ المخلوقين ولتسقط رقابة الكائنات جميعَها، وتبقى الرقابةُ الكاملة، الرقابةُ المطلقة
آلا وهي رقابةُ اللهِ جل وعلا.


باري البراي منشى الخلائق…..مبدعهم بلا مثال سابق
حي وقيوم فلا ينام…………...وجل أن يشبه الأنام
فإنه العلي في دنوه…………...وإنه القريب جل في علّوه..
لا إله إلا هو.


علمُ البشرِ ما علمُهم، علمُ قاصر، ضعيف قليل
ما وراءَ هذه الجدران نجهلُ منه الكثيرُ لا نعلمه، بل لا نعلمُ أنفسَنا التي بين جنبينا.
لكن الله يعلم ذلك ويعلم ما هو أعلى من ذلك.
(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)
(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)
يعلم ما تسره الآن في سريرتك ومن بجوارك لا يعلم ذلك.


يعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد مأئة عام، وأنت لا تعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد دقائق أو ساعات.


إنه العلم الكامل، إنه العلم الكامل المطلق، علم الله السميع العليم، العليم الخبير.
(يعلم ما تسرون وما تعلنون)
(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)
يعلم ويسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء.


هو الذي يرى دبيب الذر…. في الظلمات فوق صم الصخر
وسامع للجهر والأخفات…...بسمعه الواسع للأصوات
وعلمه بما بدا وما خفي…...أحاط علما بالجلي والخفي
(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم)
رجلان من قريش:
يجلسان في جوف الليل، تحت جدارِ الكعبة، قد هدأت الجفون ونامت العيون، أرخى الليلُ سدوله، واختلط ظلامُه، وغارت نجومُه، وشاع سكونُه.


قاما يتذاكران، ويخططان ويدبران وظنا أن الحي القيوم لا يعلمُ كثيرا مما يعملون.
استخفوا من الناس ولم يستخفوا من الله الذي يعلم ما يبيتونَ مما لا يرضى من القول.


تذاكرا مصابهم في بدر فقال صفوان وهو أحدُهم:
والله ما في العيش بعد قتلى بدر خير.
فقال عمير:
صدقت والله لولا دينُ علي ليس له قضاء، وعيالُ أخشى عليهم الضيعة لركبتُ إلى محمد حتى أقتله.
(صلى الله على نبينا محمد)
اغتنم صفوان ذلك الإنفعال، وذلك التأثر وقال:
علي دينُك، وعيالُك عيالي لا يسعُني شيءُ ويعجزُ عنهم.
قال عمير: فأكتم شأني وشأنك لا يعلم بذلك أحد. قال صفوانُ أفعل.


فقام عمير وشحذ سيفَه، وسمَه، ثم انطلقَ به يغضُ السير به إلى المدينة.


وصل إلى هناك وعمرُ رضي الله عنه، أعني أبنَ الخطاب في نفرٍ من المسلمين.

أناخَ عميرُ على بابِ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا سيفه.
فقال عمر:
عدو الله، والله ما جاء إلا لشر.
ودخل عمر على رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبره.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدخلُه علي.
فأخذ عمرُ بحمائل سيفِ عُمير وجعلها له كالقلادة ثم دخل به على النبي صلى ا
ره…….لحرك من هذا السريري جوانبه
ما الذي راقبته في ظلام الليل وفي بعد عن زوجها، وفي هدأت العيون ؟
والله ما راقبت إلا الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
أنعم بها من مراقبة وأنعم بها من امرأة.


وأعرابية أخرى يراودها رجل على نفسها كما أورد أبن رجب، ثم قال لها:
ما يرانا أحد إلا الكواكب.
فقالت: وأين مكوكبها يا رجل ؟ حالُها أين الله يا رجل ؟
أتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله وهو معك إذ تبيت ما لا يرضى من القول.
أخيرا أسمع لهذا الحدث ولم يقع في هذا الزمن وإنما وقع في زمن مضى لتعلم ثمرة مراقبة الله عز وجل، واستشعار ذلك الأمر.


رجل أسمه نوح أبن مريم كان ذي نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق، وكان له أبنة غاية في الجمال، ذات منصب وجمال. وفوق ذلك صاحبة دين وخلق.
وكان معه عبد أسمه مبارك، لا يملك من الدنياء قليلا ولا كثيرا ولكنه يملك الدين والخلق، ومن ملكهما فقد ملك كل شيء.


أرسلَه سيده إلى بساتين له، وقال له أذهب إلى تلك البساتين وأحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك.
مضى الرجل وبقي في البساتين لمدة شهرين.
وجاءه سيده، جاء ليستجم في بساتينه، ليستريح في تلك البساتين.


جلس تحت شجرة وقال يا مبارك، أتني بقطف من عنب.
جاءه بقطف فإذا هو حامض.
فقال أتني بقطف آخر إن هذا حامض.
فأتاه بآخر فإذا هو حامض.



قال أتني بآخر، فجأءه بالثالث فإذا هو حامض.
كاد أن يستولي عليه الغضب، وقال يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتني بقطف لم ينضج.
ألا تعرف حلوه من حامضه ؟
قال والله ما أرسلتني لأكله وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته.


والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة.
والذي لا إله إلا هو ما رقبتك ، ولا رقبت أحدا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.


أعجب به، وأعجب بورعه وقال الآن أستشيرك، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششه، والمستشار مؤتمن.
وقد تقدم لأبنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت ؟
فقال مبارك:
لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب.
واليهود يزوجون للمال.
والنصارى للجمال.
وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يزوجون للدين والخلق.
وعلى عهدنا هذا للمال والجاه.


والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
أي نصيحة وأي مشورة ؟
نظر وقدر وفكر وتملى فما وجد خيرا من مبارك، قال أنت حر لوجه الله (أعتقه أولا).
ثم قال لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت.


قال أعرض عليها.
فذهب وعرض على البنت وقال لها:
إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك.
قالت أترضاه لي ؟
قال نعم.
قالت فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فكان الزواج المبارك من مبارك.

فما الثمرة وما النتيجة ؟
حملت هذه المرأة وولدت طفلا أسمياه عبد الله، لعل الكل يعرف هذا الرجل.


إنه عبد الله أبن المبارك المحدث الزاهد العابد الذي ما من إنسان قلب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيا بسيرته وذكره الطيب.


إن ذلك ثمرة مراقبة الله غز وجل في كل شي.
أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة لصلحة الحال، واستقامة الأمور.
فيا أيها المؤمن، إن عينَ اللهِ تلاحقُك أين ما ذهبت، وفي أي مكان حللت، في ظلامِ الليل، وراء الجدران، وراء الحيطان، في الخلوات في الفلوات، ولو كنتَ في داخلِ صخورٍ صم، هل علمتَ ذلك، واستشعرتَ ذلك فاتقيتَ اللهَ ظاهراً وباطنا، فكانَ باطنُك خيرُ من ظاهرِك.


إذا ما خلوت الدهرَ يوما فلا تقل……خلوتُ ولكن قل علي رقيبُ
ولا تحسبنَ اللهَ يغفلُ ساعةً………..ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ
عباد الله، اتقوا اللهَ في ما تقولون، واتقوا الله في ما تفعلون وتذرون
اتقوا الله في جوارحكُم، اتقوا اللهَ في مطعمِكم ومشربِكم، فلا تدخلوا اجوافَكم إلا حلالاً فإن أجوافَكم تصبرُ على الجوعِ لكنها لا تصبرُ على النار.


اتقوا اللهَ في ألسنتِكم، اتقوا اللهَ في بيوتِكم، في أبنائِكم في خدمكم، في أنفسكم.
اتقوا اللهَ في ليلِكم ونهارِكم، اتقوا اللهَ حيثما كنتم.


( واتقوا يوماً ترجعونَ فيه إلى الله ثم توفى كلُ نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون).
أقول ما تسمعون واٍستغفر الله فأستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبـــة.الثانيـــة.cc


الحمد لله رب العالمين
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدا عبده ورسول صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.


أما بعد عباد الله:
أعلموا علم يقينٍ أن اللهَ هو الرقيب، وأن الله هو الحسيب، وأنه لا ملجىء منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه.


هو الشهيدُ وكفى به شهيدا، ومن حكمتِه سبحانه وبحمده أن جعل علينا شهوداً آخرين لإقامةِ الحجُةِ حتى لا يكون للناس حجة، وتعدد الشهودُ علينا وكفى باللهِ شهيدا، من هؤلاءِ الشهودِ:
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حيثُ يقول اللهُ عز وجل:
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ال
لله عليه وسلم، فلما رأه صلى الله عليه وسلم قال لعمر أرسله يا عمر.
ثم قال ما جاء بك يا عمير.

وكان له أبنُ أسير عند رسولِ صلى الله عليه وسلم
قال جأت لهذا الأسير، فأحسنوا به.

قال صلى الله عليه وسلم فما بالُ السيفِ في عنقك ؟
قال قبحها اللهُ من سيوف وهل أغنت عنا شيء .
فقال صلى الله عليه وسلم وقد جاءه الوحيُ بما يضمرُه عمير، اصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟
قال ما جأت إلا لذاك.
فقال صلى الله عليه وسلم بل قعدت مع صفوان في الحجر في ليلة كذا، وقلت له كذا، وقال لك كذا وتعهد لك بدينك وعيالك واللهُ حائلُ بين وبينك.
قال عمير أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم.


هذا أمرُ لم يحضُره إلا أنا وصفوان، وللهِ إني لأعلم أنه ما أتاك به الآن إلا الله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق والحمد لله الذي هداني للإسلام.


جاء ليقتلَ النور ويطفىء النور، فرجعَ وهو شعلةُ نور أقتبسَه من صاحب النور صلى الله عليه وسلم.


عباد الله سمعتم المؤامرة تحاك تحت جدار الكعبة، في ظلمة الليل لا يعلمُ بها أحد حتى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم الغيب. حُبكت المؤامرةُ سرا.


من الذي أعلنها ؟ من الذي سمعهما ؟ وهما يخططان، ويدبران ويمكران عند باب الكعبة.


إنه الذي لا يخفى عليه شيءُ في الأرض ولا في السماء.
كم تأمر المتأمرون في ظلام الليل، كم من عدو لإسلام جلس يخطط لضرب الإسلام وحدَه أو مع غيره سرا، ويظن أنه يتصرفُ كما يشاء، متناسيا أن الذي لا يخفى عليه شيءُ يسمع ما يقولون ويبطل كيدَهم فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
يا أيها العبدُ المؤمن:
إذا لقيت عنتا ومشقة وسخرية واستهزاء فلا تحزن ولا تأسى إن الله يعلم ما يقال لك قبل أن يقالُ لك وإليه يرد كل شيء لا إله إلا هو.
يا أيه المؤمن إذا جُعلت الأصابع في الآذان:
واستغشيت الثياب، وزاد الأصرار والإستكبار، وكثر الطعن وضاقت نفسك فلا تأسى ولا تحزن، إن الله يعلم ويسمع ما تقول وما يقال لك.


(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)
يا أيها الشاب الذي وضع قدمَه على أو طريق الهداية:
فسمع رجلا يسخر منه، وآخر يهزء به، وثالثا يقاطعه، أثبت ولا تأسى وأعلم علم يقين أنك بين يدي الله يسمع ما تقول ويسمع ما يقال لك، وسيجزي كل أمرء بما فعل
(لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)
يا مرتكبَ المعاصي مختفياً عن أعينَ الخلق أين الله ؟
أين الله ما أنت واللهِ إلا أحدُ رجلين:
إن كنتَ ظننتَ أن اللهَ لا يراك فقد كفرت.
وإن كنت تعلمُ أنه يراك فلمَ تجتريَ عليه، وتجعلَه أهونَ الناظرينَ إليك ؟
(يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا)
يدخلُ بعضُ الناسِ غابةً ملتفةُ أشجارُها، لا تكادُ ترى الشمسَ معها، ثم يقول:
لو عملتُ المعصيةُ الآنَ من كان يراني ؟
فيسمعُ هاتفاً بصوت يملىء الغابة ويقول:
(آلا يعلمُ من خلقَ وهو اللطيفُ الخبير). بلا والله.


فيا منتهكاً حرماتِ الله في الظلمات، في الخلوات، في الفلوات بعيداً عن أعين المخلوقات أين الله ؟
هل سألت نفسكَ هذا السؤال.


في الصحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(لأعلمنَ أقواماً من أمتي يومَ القيامةِ يأتون بحسناتٍ كأمثالِ الجبال بيضاً، يجعلُها اللهُ هباءً منثورا).


قال ثوبان صفهم لنا جلّهم لنا أن لا نكون منهم يا رسول الله قال:
(أما إنهم إخوانُكم ومن جلدتِكم ويأخذون من الليلِ كما تأخذون، لكنهم إذا خلوا بمحارمِ اللهِ انتهكوها).
إلى من يملىء ليله عينَه وأذنه ويضيعُ وقتَه حتى في ثُلث اليل الآخر، يملىء ذلك بمعاصي الله، أين الله ؟
فقد روى االثقاةُ عن خيرِ الملاء ….بأنه عز وجل وعلا
في ثلثِ الليل الأخيرِ ينزلُ……… يقول هل من تائبٍ فيقبلُ
هل من مسيء طالبٍ للمغفرة……..يجد كريما قابلا للمعذرة
يمن بالخيراتِ والفضائل………. ويسترُ العيب ويعطي السائل.
فنسأله من فضله.
إن اللهَ لا يخفى عليه شيء فهلا اتقيتَه يا عبد الله.

عمرُ أبن الخطاب رضي اللهُ عنه، يعسُ ليلةً من الليالي ويتتبع أحوال الأمة، وتعب فاتكاءَ على جدارٍ ليستريح، فإذا بمرأةٍ تقولُ لأبنتها: أمذقي اللبنَ بالماءِ ليكثرَ عند البيع.


فقالت البنت:ُ إن عمرَ أمرَ مناديه أن ينادي أن لا يشابُ اللبنَ بالماء.
فقالتِ الأم:ُ يا ابنتي قومي فانكي بموضعٍ لا يراكِ فيه عمرُ ولا مناديه.


فقالتِ البنتُ المستشعرةُ لرقابةَ الله: أي أماه فأين الله ؟ وللهِ ما كنتُ لأطيعَه في الملا، واعصيه في الخلاء.
ويمرُ عمرُ أخرى بأمرة أخرى تغيبَ عنها زوجها منذ شهور في الجهاد في سبيل الله عز وجل، قد تغيبت في ظلمات ثلاث، في ظلمة الغربةِ والبعد عن زوجها، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة قعر بيتها، وإذا بها تنشد وتقول وتحكي مأساتها:
تطاول هذا الليل وازور جانبه….وأرقني أن لا حبيبُ إلاعبه
فوالله لولا الله لا رب غي
دميره يا حي يا قيوم يا عزيز.

اللهم أنت خلقتَ أنفسَنا، وأنت تتوفاها، فزكِها أنت خيرُ من زكاها، أنتَ وليها ومولاها لك مماتَها ومحياها.

اللهم إنا عبيدُك بنو عبيدِك بنو إيمائك، في حاجةٍ إلى رحمتِك وأنت غنيُ عن عذابنا، اللهم فجازِنا بالإحسانِ إحسانا وبالإساءةِ عفوا وغفرانا.
اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعثِ والنشور، وأغفر لنا ولجميعِ موتى المسلمين يا أرحم الراحمين. الهم صلي على محمد
سبحان ربك رب العزة عن ما يصفون.


وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
رسول عليكم شهيدا).

(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا).


فرسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيشهدُ على الأممِ وعلى هذه الأمة.
والملائكةُ أيضاً يشهدون وكفى باللهِ شهيدا، قال اللهُ عز وجل:
(وإن عليكم لحافظينَ، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون).


ويقول جل وعلا :
(إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
فالملائكة أيضا ستشهد.
والكتابُ سيشهد:
والسجلات ستفتح بين يدي الله فترى الصغيرَ والكبيرَ والنقيرَ والقطميرَ، تنظرُ في صفحةِ اليومِ الثامنُ من هذا الشهر فإذا هي لا تغادرُ صغيرةً ولا كبيرة،:
(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا).


(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ). والأرضُ التي ذللها الله عز وجل لنا ستشهدُ بما عمل على ظهرها من خيرِ أو شر:
(إذا زلزلت الأرضُ زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها، يوم إذا تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها).


ستحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر، بل إن هذه الأرض تحمل عاطفة، إذا مات المؤمن بكاه موضع سجوده، وبكاه ممشاه إلى الصلاة، وبكاه مصعد عمله إلى السماء.
وأما الذين أجرموا وكفروا ونافقوا:
(فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين).

والخلقُ أيضا سيشهدون وكفى باللهِ شهيدا:
لطالما تفكهُ الإنسانُ بين هؤلاءِ الخلقِ بالوقوعِ في أعراضِ المسلمينَ بذكرِ ما سترَه اللهُ عليه.
وما علم أن الخلق سيشهدونَ.

في الصحيح أن جنازة مرت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه فيثني عليها الناس خيرا فيقول صلى الله عليه وسلم وجبت.

وتمر أخرى فيثني عليها الناس سوء فيقول صلى الله عليه وسلم وجبت.


فيتسأل الصحابة ؟
فيقول صلى الله عليه وسلم أثنيتم على الأولى بخير فوجبت لها الجنة، وعلى الثانية بسوء فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه، أنتم شهداء الله في أرضه.


وسيشهدُ ما هو أقربُ من هذا:
ستشهدُ الجوارحُ فـ أيدٍ تشهد، وأرجلٍ تشهد، وألسنٍ تشهد، وجوارح تشهد:
(اليومَ نختمُ على أفواههم، وتكلمُنا أيديِهم، وتشهدُ أرجلُهم بما كانوا يكسبون).
(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون)
(وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون)
(وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين)
فاتقوا الله يا باد واجعلوا هؤلاءِ الشهودِ جميعهم لكم لا عليكم.
وبادروا أنفسَكم وأعمارَكم بالأعمالِ الصالحةِ قبل حلولِ الآجالِ وبقاءِ الحسراتِ.
أيا من يدعّي الفهم، إلى كم يا أخَ الوهم، تعبي الذنبَ بالذنب، وتخطي الخطاءَ الجم.


أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب، وما في نصحه ريب، ولا تنعُ فقد صم.


أما نادى بك الموت، أما أسمعك الصوت، أما تخشى من الفوت، فتحتاطَ وتهتم.


فكم تسكرُ في السهو، وتختالُ من الزهو، وتنصبُ إلى اللهو، كأن الموتَ ما عم.


وحتى متى جافيك، وإبطاءُك لافيك، طباعُ جمعت فيك، عيوبُ شملُها أنظم.

أتسعى في هوى النفس، وتختالُ على الأنس، وتنسى ظلمةَ الرمس، ولا تذكرُ ما تم.


ستذري الدمَ لا الدمع، إذا عاينتَ لا دمع، يقي في عرصتِ الجمع، ولا خالٍ ولا عم.


كأني بك تنحط، إلى اللحدِ وتنغط، وقد أسلمك الرهط، إلى أضيق منسم.
هناك الجسمُ ممدود، ليستأكَله الدود، إلى أن ينخر العود، ويمسي العظمَ قد رم.

فبادرِ أيها الغمر، لما يحلُ به المر، فقد كاد ينتهي العمر، وما أقلعت عن ذم.
وزود نفسَك الخير، ودع ما يعقبُ الضير، وهيء مركب السير، وخفف لجة اليم.

الهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
اللهم يا من لا تراه العيون، ولا تخالطهُ الظنون، يا من دبر الدهور، وقدر الأمور، وعلم هواجسَ الصدور، يا من عليه يتوكل المتوكلون، أقلِ العثرةَ، وأغفرِ الزلةَ، وجُد بحلمِك على من لا يرجُ غيرَك ولا قصدَ سواك، اللهم هب لنا فرجاً قريبا، وصبراً جميلا، وكن لنا ولا تكن علينا، وأمكر لنا ولا تمكر بنا، وتولى أمرنا لا إله إلا أنت أنتَ حسبُنا.


اللهم لا تجعل بيَننا وبينَك في رزقنا أحداً سواك، اللهم اجعلنا أغنى خلقِكَ بك، وأفقرَ عبادِكَ إليك، وهب لنا غناً لا يطغينا، وصحةً لا تلهينا، وأغنناً اللهم عن من أغنيته عنا.
اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.


اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، وأجعل تدبيره ت
قلةَ التبرعات والنفقات فكيف نشبع ويجوع غيرنا ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! إخواننا المستضعفون في غزة وغيرها من بلاد المسلمين هل شعرنا بحالهم وتألمنا لآلامهم؟! هل كنا معهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟! ما حالنا مع ربنا عز وجل؟! هل نقف مع حدوده فلا نتجاوزها أم أن هناك فئامًا من المسلمين والمسلمات انتهكوا الحرمات وفعلوا ما يغضب رب الأرض والسموات؟! كم الذين يتهاونون في أداء الجمعة والجمعات؟! كم الذين يظلمون الزوجات والبنات؟! كم الذين قطعوا الأرحام وعقوا الآباء والأمهات؟! كيف معاملاتنا مع الخدم والعمال؟! أهي مبنية على الرحمه أم على الظلم وبخس الحقوق؟!

ربما يكون غلاء الأسعار سببًا لأن يعود الناس إلى ربهم، فيفتح الله لهم أبواب الخير على مصراعيه، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].

فإذا آمن الناس وعادوا إلى الله زالت عنهم الكروب وتلاشت عنهم الشدائد والمحن، فهل من عودة صادقة؟! ومتى استغفر الناس ربهم عز وجل زالت عنهم المحنة وانكشفت عنهم النقمة كما قال الله تعالى فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا  يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا  وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10-12].

وقد يبتلي الله تعالى العباد مع استغفارهم وعودتهم إلى الله باستمرار الحال على ما هي عليه ابتلاءً وتحميصا، يقول الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2-3].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ.

عباد الله، عندما يقلّ الطعام في البلد يكثر عليه الطلب، ويزيد سعره، وتتاح لضعاف النفوس من التجار فرصة احتكاره والتحكّم في أسعاره، وَالْمُحْتَكِرُ آثم، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الاحْتِكَارِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: حَدِيث: ((مَنْ اِحْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالإِفْلاسِ)) رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَإِسْنَاده حَسَن، وحديث: ((مَنْ اِحْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّه وَبَرِئَ مِنْهُ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم وَفِي إِسْنَاده مَقَالٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا: ((مَنْ اِحْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيد أَنْ يُغَالِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ)) أَخْرَجَهُ الْحَاكِم.

معاشر التجار، أذكركم بحديث نبيكم: ((من يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع)) رواه مسلم.

يا عباد الله، اقتصِدوا في مصروفات الشراء، ورشِّدوا استهلاك الغذاء، وحافظوا على النّعَم التي بين أيديكم، عظموا أمرها، واقدروا قدرها، وتذكّروا أن الأطعمة التي تشترونها اليوم بسعر غال غدا قد لا تجدونها لتشتروها.

هذا، وصلوا وسلموا على خير البرية...
🎤
خطبـةجمعــةبعنــــوان.tt
الــــــــــــغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاء
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الحمد لله ربِّ العالمين، الرّحمن الرّحيم، مالك يومِ الدّين. الحمدُ لله مغيثِ اللهفات، ومنزِّلِ البركات، وواهبِ الخيرات، وفارج الكرُبات. سبحانَ علام الغيوب، وفارجِ الكروب، وكاشف الخطوب، وغافِر الذنوب، وساتِر العيوب. لا إله إلا الله الوليّ الحميد، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. سبحانه من إلهٍ كريم، وربّ رحيم، ومولًى عظيم، عمّ بكرمه وجوده وإحسانه جميعَ المخلوقات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بارئ النسمات ومبدع الكائنات، وأشهد أنَّ نبيّنا وحبيبنا وقدوتَنا محمّداً عبد الله ورسوله أفضل البريّات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والمكرُمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102].

عباد الله، الذنوب تسبِّب هلاك الحرث والنسل، وتسبِّب انتشار الفساد في البر والبحر، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41]، وقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، والله تعالى يبتلي عباده ببعض ما كسبت أيديهم لكي ينتبهوا ويراجعوا أنفسهم، وقال : ((يا معشر المهاجرين، خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) رواه البيهقي والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع (7978). فهل نظر الناس لهذا الحديث العظيم الذي أوضح فيه النبي  أثر هذه الذنوب العظيمة التي تعود على أمة الإسلام بغير ما ترجوه؟!

عباد الله، كان يتردّد على آذاننا زمنا طويلا من على منابر الجمعة وفي قنوت رمضان: "اللهم إنا نعوذ بك من الغلاء والوباء والزنا والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع الغلاء عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين"، وربما مر علينا هذا الدعاء كغيره من الأدعية لا نشعر بقشعريرة في جلودنا لأننا لم نعرف أثر غلاء الأسعار حتى وقعنا فريسة له وضحية لمرارته، عندها تعود بنا الذاكرة إلى تلك الدعوات التي خرجت مبتهلة إلى ربها بأن يكشف الغلاء عن الأمة.

إن غلاء الأسعار سبب ضيقا شديدًا على الناس، الفقراء زادهم فقرا، وأما متوسطو الحال فهم من الفقر قاب قوسين أو أدنى

فحبّ المال والحرص على كسبه بأي طريق ـ حتى ولو كان عن طريق الحرام ـ أمر مشاهد للجميع، وخاصة مع انتشار المعاملات الربوية واختلاط الحلال بالحرام، قال تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 20]، وعندما يطغى على الناس ذلك يصبح الأمر خطيرًا جدا، فيتسبب في أمور كثيرة مخالفة لشريعة الله تعالى، وقد قال :((فوالله، لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) متفق عليه.

ومن حكمة الله تعالى أن أوجد لعباده طرقًا يسلكونها من أجل تيسير معاملاتهم وإقامة وجوه الحق بينهم، وعندما خالف البشر أوامره وعملوا بما يناقض شريعته أوقعوا أنفسهم في حرج عظيم، وظهرت بينهم بوادر الظلم والطغيان، وانتشرت بينهم العداوة والبغضاء، وتكاثرت عليهم الابتلاءات والمحن.

أيها المسلمون، إن ظاهرة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة تعدّ مشكلة اقتصادية يعبَّر عنها في القاموس الاقتصادي بـ(التضخم)، وهي لا تخرج مهما كانت أسبابها الظاهرة عن مسماها الشرعي: (البلاء)، فزيادة الأسعار في الغذاء ينتج عنه بلاء الجوع ونقص الثمرات لضعف ذات اليد عن الشراء، وزيادة الأسعار في الأدوية ينتج عنه بلاء المرض لعجز المريض عن تعاطي العلاج، وزيادة الأسعار في العقارات والبناء ينتج عنه ضيق المعيشة فيحتار الإنسان كيف يدفع ما لديه من مال هل على الإيجار والسكن أم على الغذاء والطعام، وهكذا... فما نسميه: (تضخم) هو في حقيقة أمره وفي جوهره بلاء يتبعه بلاء. وهنا يجب أن نبحث عن أسباب هذا البلاء، وأن نتعامل معه بما وعظنا الله به أولاً إلى جانب البحث عن أسبابه الأخرى في المعاملات.

يا ترى، هل نحن نعطف على الفقراء والمساكين؟! الجمعيات الخيرية تعاني
🎤
خطبـةجمعــةبعنـــوان.tt
بــقــــاء الذكــــر الحســـن للعبــد
للشيــــخ/ صـــــــــلاح الــبـــــــديـــــــر
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الخطبــــة.الاولــــى.cc
الحمدلله الرحيم الغفور، الحميد الشكور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تتضاعفُ بها الأجور، وتنفع صاحبَهَا بعد الموت والدُّثُور، وتُنجِي قائلَها يوم البعث والنشور، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، أسفَرَ فجرُهُ الصادقُ فمحا ظلمات أهل الزيغ والسوء والفجور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الذكر المرفوع، والفضل المشهور، صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممر الليالي والدهور.

أما بعـــد فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، وسابِقُوا إلى رحمته وجنَّاته، ﴿ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].

أيها المسلمون:
لا خلود في دار الدنيا لأحد، لكن الأعمال الجليلة، والآثار الجميلة، والسنن الحسنة تُخلِّدُ ذكرى صاحبها بين الناس، وتورِثُه في حياته وبعد موته ذكرًا وحمدًا، وثناءً ودعاءً.

أحاديثُ تبقى والفتى غيرُ خالد
إذا هو أمسَى هامةً فوقَ صَيِّر

وكم من العلماء والفُضلاء والعظماء قد غيَّبَهم الأجل وطوَاهم الموت، ولا زالت مآثِرُهم وآثارُهم، وممادِحُهم ومفاخرهم تبعثُ في المجالس طِيبًا وأريجًا وعَرْفًا، يحمل الناس على عمل الخير، وفعل الجميل، والاقتداء الحسن:

قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ مكارِمُهُم
وعاشَ قومٌ وهم في الناس أمواتُ

إن قيل: ماتَ فلم يمُتْ مَنْ ذِكرُهُ
حيٌّ على مَرِّ الليالي بَاقِيْ

وبقاءُ الذكر الجميل، واستمرارُ الثناء الحسن، والصِّيْت الطيب، والحمد الدائم للعبد بعد رحيله عن هذه الدار نعمةٌ عظيمةٌ يختصُّ الله بها من يشاء من عباده ممن بذلوا الخير والبر، ونشروا الإحسان ونفعوا الخلق، وجمعوا مع التقوى والصلاح مكارمَ الخصال، وجميلَ الخِلال، يقول - جلَّ في علاه: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ.. ﴾ [ص: 45- 48]؛ أي: شرف وثناء جميل يُذكَرون به، وقال - تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 50]، قال ابن عباس - رضي الله عنه: "يعني: الثناء الحسن".

وأرفعُ الناس قدرًا، وأبقاهم ذِكرًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم للخلق نفعًا: النبيُّ المعظَّم والرسول المكرَّم؛ نبيُّنا وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله - تعالى - عنه: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4].

قال أبو بكر بن عياش - رحمه الله تعالى: "وأهلُ السنة يموتون ويحيا ذِكرُهُم، وأهلُ البدعة يموتون ويموتُ ذِكرُهم؛ لأن أهل السنة أحيَوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم، فكان لهم نصيبٌ من قوله - تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾، وأهل البدعة شنؤُوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم، فكان لهم نصيبٌ من قوله - تعالى: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾".

والإمام العادل القوي الشجاع الذي يحمي الحوزة، ويذُبُّ عن البَيْضة، وينتصرُ لدينه وعقيدته وأرضه تراه مُعظَّمًا في النفوس، كبيرًا في أعين الناس، جليلاً عند أهل الإسلام، مُمدَّحًا عند العلماء والمؤرِّخِين، والعالِمُ التقيُّ المُتواضعُ للناس الذي يسعَى في نفعهم وتعليمهم والإحسان إليهم يعلو في الأرض ذِكرُهُ، ويرتفعُ في النفوس قدرُهُ، ويبقى بين الخلق أثَرُهُ لعلمه ودينه، واتباعه للسنة، وإخلاصه لله - تعالى.

والجوادُ الكريم السخيُّ المِعْطاء الذي يعطِفُ على الفقراء، ويرحمُ المُحتاجين، ويُشفِقُ على المساكين، فإن العامةَ تضِجُّ بالدعاء له وذِكْر محاسنه، ويُكتَبُ له قبولٌ تامٌّ، وجَاهٌ عريضٌ، والعافُّ عن المحارم الكافُّ عن أعراض الناس الذي يبذُلُ الندى، ويكفُّ الأذَى، ويحتَمِلُ المشقَّةَ، ويُرضِي الناسَ في غير معصيةٍ، بأصالةِ رأيٍ، ورجاحةِ عقلٍ، وسلامةِ قلبٍ، وعِفَّةٍ في الفَرْجِ واليدِ واللسانِ، فذاك السيدُ الوجيهُ الذي يُقدَّمُ على الأمثال، وتهابُهُ الرجالُ، ويبقى ذِكرُهُ في الأجيال.

إذا شئتَ أن تَرثِي فقيدًا من الورى
وتدعُو له بعد النبيِّ المُكرَّمِ

فلا تبكِيَنَّ إلا على فقدِ عالمٍ
يُبادِرُ بالتفهيمِ للمُتعلِّمِ

وفَقدِ إمامٍ عالمٍ قامَ مُلكُهُ
بأنوارِ حكمِ الشرعِ لا بالتحَكُّمِ

وفَقدِ شُجاعٍ صادقٍ في جِهَادِهِ
وقد كُسِِرتْ رايَتُهُ في التقدُّمِ

وفقدِ كريمٍ لا يملُّ من العطا
ليُطفِئُ بؤسَ الفقرِ عن كل معدمِ

وفقدِ تقِيٍّ زاهدٍ مُتورِّعٍ
مُطيعٍ لربِّ العالمين مُعظِّمِ

فهم خمسةٌ يُبكَى عليهم وغيرهم
إلى حيث ألقَتْ رحلَهَا أمُّ ق
شعَمِ

أوصى رجلٌ بنِيْهِ، فقال: "يا بنيَّ! عاشِرُوا الناس معاشرةً إن غِبْتُم عنهم حنُّوا إليكم، وإن متُّمْ بكَوا عليكم".

ويموت أناسٌ فلا يُؤسَى على فراقهم، ولا يُحزَنُ على فَقدِهم؛ فلم يكن لهم آثارٌ صالحةٌ، ولا أعمالٌ نافعةٌ، ولا إحسانٌ إلى الخلق، ولا بذلٌ ولا شفقةٌ ولا عطفٌ ولا رحمةٌ ولا خُلُقٌ حسن، يقول الله - تعالى - في أمثال هؤلاء: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ.. ﴾ [الدخان: 29]. لا يُرَى لهم في الأرضِ شاكِر، ولا لهم بالخير ذاكِرُ.

فالحَقُودُ الحَسُودُ، والجَمُوعُ المَنُوعُ، والفاحشُ البَذِيء، وصاحبُ الظلمِ والكِبْر والهوى، والذي يُعامِلُ الناسَ بالغِلْظةِ والقسوةِ والشدةِ يقطعُ الله الذكرَ الحسنَ عنه، ويبقى له البغضُ في الأرض، والذمُّ من الخلق.
كأنهم قَطُّ ما كانوا ولا وُجِدُوا
وماتَ ذِكْرُهم بين الوَرَى ونُسُوا
كم طامعٍ بالثَّنَا من غير بذلِ يدٍ
ومشتهٍ حمدهُ ولكنْ بمجَّانِي
والناسُ أكيَسُ من أن يمدَحُوا رجُلاً
حتى يرَوا عنده آثارَ إحسانِ

وعن عمرو بن الحَمِق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسَلَه)). قيل: يا رسول الله! وما عسَلَه؟ قال: ((فتح له عملاً صالحًا بين يدي موته حتى يُرضِي عنه من حوله))؛ أخرجه أحمد وابن حبان.

قال ابن قتيبة: "قوله: ((عسَلَهُ)) أراهُ مأخوذًا من العسل، شبَّهَ العملَ الصالحَ الذي يفتحُ للعبد حتى يرضى الناس عنه، ويطِيبُ ذِكرُهُ فيهم بالعسل".

ومن الأعمال الصالحة التي تفتح للمُوفَّقين فيرضى الله بها عنهم، ويُرضِي عنهم خلقه، ويلحقهم أجرها بعد الممات: حبسُ النفس على التعلُّم، وإقراء القرآن والتحديث، ونشرُ العقيدة الصحيحة، والتصدُّر للإفادة والتصنيف والتأليف، وطباعةُ الكتب النافعة، وبناء المدارس والمساجد والمشافي، وسقي الماء وحفر الآبار، وكثرة الصدقة وإدامة البر والإحسان، والشفقة على الضِّعَافِ، وتزويجُ المعدوم، وإعطاءُ المحروم، وإنصافُ المظلوم، والأداءُ عن المحبوسِ، وقضاءُ الحوائجِ، ومُواساةُ الفقراء، وإدخالُ السرور على المرضى، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والإصلاح بين المتخاصمين، وجمع كلمة الأمة على الخير والهدى، والتقوى والصلاح، إلى غير ذلك من طرق الخير ووجوه البر.

فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((سبعٌ يجري للعبدِ أجرُهُنَّ في قبره بعد موته: من علَّمَ علمًا، أو أجرى نهرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّثَ مُصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفرُ له بعد موته))؛ أخرجه أحمد.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((إن مما يلحقُ المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمَهُ ونَشَرَه، وولدًا صالحًا تَرَكَه، ومُصحَفًا ورَّثَهُ، أو مَسْجِدًا بناهُ، أو بيتًا لابنِ السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرَجَها في صِحَّتِهِ وحياته يلحقُهُ من بعد موته))؛ أخرجه ابن ماجه.

أيها المسلمون:
والحب يسرِي، والحمدُ يبقى، والثناءُ والدعاءُ يدومُ لمن عمَّ نفعُهُ، وشمل عطاؤه وإحسانه، وتواصَلَ بِرُّهُ وخيرُهُ، فقدِّمُوا لأنفسكم من الآثار الطيبة، والأعمال الصالحة، والقُرَب والطاعات والإحسان ما لا ينقطع لها عمل، ولا تقِفُ لها أجورٌ، مع تواصُلِ الدعوات الصادقة لكم من المسلمين على مرِّ الأيام والأعوام، اللهم اجعلنا مُبارَكِين أينما كُنَّا.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبــــة.الثانيــــة.cc
الحمدُ لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمـــا بعـــد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله وراقِبُوه، وأطيعوه ولا تعصوه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

أيها المسلمون:
والرجلُ حين يُعامِلُ زوجَهُ وأولاده بالرفق والإحسان، والشفقة والرحمة، والمحبة والعطف، والبذل والكرم يبقى محمودَ الذكر بعد موته، والمرأةُ حين تُحسِنُ إلى زوجِها، وتحُوطُهُ بالإكرامِ والاحترامِ يبقَى حُبُّهَا في قلبِهِ، ويسرِي حمدُها على لسانه.

فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما غِرْتُ على أحدٍ من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غِرْتُ على خديجة - وما رأيتُها، ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثِرُ ذكرَها، وربما ذَبَحَ الشاةَ ثم يُقطِّعُها أعضاءً، ثم يبعثُها في صدائقِ خديجة، فربما قلتُ له: كأن لم يكن بالدنيا إلا خديجة، فيقول - صلى الله عليه وسلم: ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد))؛ أخرجه البخاري.

وعند الطبراني: "وكان إذا ذكرت خدي
جة لم يسأل من ثناءٍ عليها، واستغفارٍ لها".

فأعمالُها الجليلة، وصفاتُها الحميدة خلَّدَت مكانتها في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقلبه، فكان يُكثِرُ ذكرَها وحمدَها، والثناء عليها، والدعاء لها.

أيها المسلمون:
والمؤمنُ لا يبذل الخير اجتلابًا للمدحة، ولا طمعًا في الثناء، ولا رغبةً في الذكر، ولكن من بذل الخير بنِيَّةٍ خالصةٍ، وقصدٍ حسنٍ قَبِل اللهُ سعيَهُ، ووضَعَ له القبولَ والحُبَّ بين عباده، ونَشَرَ له الذكرَ الحسنَ، والثناءَ والدعاءَ في حياته وبعد مماته.

فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((أهلُ الجنة مَنْ مَلأَ الله أُذنَيْه من ثناءِ الناس خيرًا وهو يسمع، وأهل النار من مَلأَ الله أُذنَيْه ثناء الناس شرًا وهو يسمع))؛ أخرجه ابن ماجه.

جعلنا الله وإياكم من المُوفَّقين الهُداةِ المُهتدين.

ثم اعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحةِ بقُدسِهِ، وأيَّهَ بكم - أيها المؤمنون - من جِنِّهِ وإنْسِهِ، فقال قولاً كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمَنِّكَ وفضلِكَ وجُودِكَ وإحسانِكَ وكرمِكَ يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا سخاءًً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصةً، وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الطعن والطاعون، اللهم إنا نعوذ بك من الطعن والطاعون، اللهم إنا نعوذ بك من الطعن والطاعون، والوباء وهجوم البلاء، والوباء وهجوم البلاء، والوباء وهجوم البلاء في النفس والأهل والمال والولد يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نعوذ بكلماتِ الله التامَّاتِ التي لا يجاوِزُهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ من شرِّ ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شرِّ ما ينزلُ من السماء، ومن شرِّ ما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرَأَ في الأرض، ومن شرِّ ما يخرج منها، ومن شرِّ فتنِ الليل والنهار، ومن شرِّ طوارِقِ الليل والنهار إلا طارِقًا يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن.

اللهم كن لإخواننا في فلسطين ناصرًا ومُعينًا، ومؤيدًا وظهيرًا، اللهم عليك بيهود، اللهم عليك بيهود، اللهم عليك بيهود، اللهم إن اليهود قد طغوا وبغوا وأسرفوا وأفسدوا واعتدوا؛ اللهم زلزلِ الأرضَ من تحت أقدامهم، اللهم زلزلِ الأرض من تحت أقدامهم، اللهم زلزلِ الأرض من تحت أقدامهم، وألقِ الرعبَ في قلوبهم، واجعلهم غنيمةً للمسلمين يا رب العالمين.

اللهم وفِّقْ إمامَنَا وولِيَّ أمرنا، خادم الحرمين الشريفين؛ الملك: عبدالله بن عبدالعزيز لما تحبُّ وترضى، اللهم واجزِهِ خيرًا على ما قدَّمَهُ للحرَمَيْن الشريفَيْن وللإسلام والمسلمين، اللهم وأظِلَّهُ تحت ظِلِّ عرشِكَ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّك كما ظلَّلَ ساحات الحرم على المُصلِّين في مسجد رسولك - صلى الله عليه وسلم، اللهم أظِلَّهُ تحت ظِلِّ عرشِكَ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّك كما ظلَّلَ ساحات الحرم على المُصلِّين في مسجد رسولك - صلى الله عليه وسلم.

اللهم أعِزَّ الآمِرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم احفظهم ودافِعْ عنهم، اللهم ومن أرادهم بسوءٍ أو شرٍّ فاكشِفْ سِرَّه، واهتِكْ سِترَه، وأبطِل مكره، واكفِنا شرَّه، واجعله عبرةً يا رب العالمين.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين.

اللهم وفِّق أبناءنا الطلاب، اللهم وفِّق أبناءنا الطلاب وبناتنا الطالبات في دراستهم، اللهم لا سهلَ إلا ما جعلتَه سهلاً وأنت تجعلُ الحَزَنَ إذا شئتَ سهلاً؛ فاجعل الامتحانَ سهلاً مُيسَّرًا عليهم يا رب العالمين، اللهم اجعل الامتحان سهلاً مُيسَّرًا عليهم يا رب العالمين، اللهم ذلِّل لهم الصِّعاب، ووفِّقْهم للصواب، وألهِمهم حسن الجواب.

اللهم حقِّقْ لهم النجاحَ، واكتب لهم التوفيقَ والفلاحَ، اللهم اجعلهم لوالديهم وأهليهم وأوطانهم ودينهم قُرَّةَ عين، وقِهِم شرَّ الحسد والعين، وأبعِد عنهم قولان السوء يا رب العالمين.

عـــباد الله:
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ ال
لهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
🎤
خطبة.جمعــة.بعنــوان.cc
البشارة بأن الباطل زائل وإن علا
للشيــخ/ مــحــمـــد صـالـح المنـجـــــد
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

عــناصر الخطبــة :
1/ المثل المائي ومعناه 2/ المثل الناري ومعناه 3/ العلاقة بين المثلين 4/ العلاقة بينهما وبين الدين والشرع والإسلام 5/ العلو للباطل أولا والغلبة للإسلام آخرا 6/ من عبر ضرب هذين المثلين 7/ إنفاق أهل الباطل وجهودهم في التنصير 8/ أمثلة على أن الزبد يذهب جفاء 9/ أمثلة على أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض .

الخطبــــة.الاولــــى.cc
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الحمد لله الذي أنزل علينا القرآن، وجعل ما فيه من الأمثال والبيان: حكمة ومجالاً للتدبر؛ ليتحقق الابتلاء والامتحان، وتتبين حقيقة الإنسان، قال الله -سبحانه وتعالى- في محكم تنزيله، في آية لابد للمسلم من النظر فيها بعين البصيرة، والتأمل فيها: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد: 17].

قال بعض السلف: "إذا سمعتُ المثل في القرآن فلم أفهمه بكيتُ على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت:43]، فلا يفهم الأمثال التي ضربها الله للناس في كتابه إلا العالم، فإذا لم يفهم الشخص المثل فربما لا يكون من أهل العلم.

وقد ضرب الله تعالى في هذه الآية مثلاً نارياً، وقبله مثلاً مائياً، فقال الله -عز وجل- في المثل المائي: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) [الرعد:17] وهذا المثل فيه تشبيه الوحي والقرآن الذي أنزله الله تعالى لحياة القلوب وهداية الناس بنزول المطر من السماء الذي تحيا به الأرض، إنه وحي عام لا يخص أحداً دون أحد، هو للجميع؛ للعرب والعجم، للأحمر والأصفر والأسود. إنه للذكر والأنثى، والكبير والصغير؛ مثل المطر الذي يعم بنفعه الجميع.
(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، هذه الأودية التي تجتمع فيها الأمطار تختلف سعةً وعمقاً، وتختلف بحسب إمساكها للماء، وتختلف في الشعاب التي تسيل منها، وحجم الأراضي التي تسقيها، وبالتالي في حجم الانتفاع الذي ينتفع منها، الوادي يحتضن الماء.

وكذلك قلب المؤمن يحتضن هذا الوحي ويلُمُّه فيه، وينعقد عليه، فيتفاعل معه، الأرض تتفاعل مع المطر فتنبت، والقلب يتفاعل مع الوحي فيثمر الأعمال الصالحة، وعندما ترى المطر ينزل فإنه يثمر أنواعاً من الثمار والزهور مختلفة اللون والطعم والرائحة، وكذلك هذه الآيات في قلب المؤمن تثمر أنواعاً من الأعمال الصالحة. إنها في تنوعها وشمولها وقيامها على أعضاء البدن المختلفة فيها رصيد له عظيم عند ربه.

قال الله تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ) سالت أودية، هنالك حركة، كما تعبر عنها لفظة: (سالت)، إنه ليس ممسكاً فقط، ومختزناً، أو متشرباً؛ كلا؛ بل هو وادٍ كبير يسيل بما فيه، والماء ليس آسناً، وإنما يتحرك؛ لأن الوادي فيه مناسيب في الارتفاع مختلفة تجعل الماء يتحرك، فيسيل الوادي بما يحتضنه من الماء، يسيل الوادي بما اشتمل عليه من المطر، (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا).

قلوب الناس في قبول الحق والعمل به تختلف؛ فهي كالأودية المتنوعة، والقلوب تتفاوت فيما تأخذه من الوحي والقرآن، وبما تقبله منه، وبما تتفاعل معه وتنصاع لأمره، فهناك قلوب كبيرة وقلوب صغيرة، قلوب واسعة وقلوب ضيقة، قلوب طيبة وأخرى خبيثة، إذا جاءها الوحي لم يجد محلاً قابلاً، فينصرف عنها، فيكون كالمطر الذي يمر على الصخور الملساء، إنما يزيل عنها التراب فقط.

وهذه الأودية ليست صخوراً ملساء إذا نزل عليها الماء انصرف وزال، وإنما هي تحتضن وتكتنز، فإذا نزل القرآن حملت القلوب منه على قدر اليقين والعقل، والقلوب مع الوحي كالغيث مع الأرض، فهنالك أرض نقية تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير، وهناك أرض أجادب تمسك الماء فينفع الله به الناس إذا أخذوا منه، فيحتفرون ويستخرجون، ويستنبطون، ويشربون ويسقون، ويزرعون، وهناك أراضٍ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً؛ قال الله تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) احتمل: جرف معه بالطريق هذا الزبد، وهذا الحركة المتدفقة يركب زبد، ويعلو زبد، والزبَد: ما يعلو السيل من خليط غير
متماسك من أشياء؛ من القاذورات، والوساخات، وبقايا أوراق الأشجار، والأتربة، والأخشاب، والأعواد ونحو ذلك.

هذا الزبد ليس فيه تماسك ولا ترابط، مجموعة أشياء غير متجانسة، أيضاً ليس له أساس؛ لأنه محمول على الماء حملاً، ولكنه ظاهر فوقه، وبائن على سطح الماء للرائي، أول ما ينظر الإنسان إلى مجرى السيل يجد هذا الزبد، فهو في رأي العين أول ما يُرى، هو شيء يطفو على السطح، ولكنه سرعان ما يتمزق ويتصدع بكل سهولة إذا مر على شيء ثابت، أو عاقه عائق سرعان ما يضمحل، يزول، يتفرق تفرقاً سهلاً سريعاً.

هو عبارة عن رغوة، فقاقيع هواء، والفقاعة ماذا تحتوي في الحجم أو في الوزن أو الكثافة؟ هي أقل كثافة من الماء بكثير، ولذلك تطفو على سطحه، هذا غثاء، لكنه موصوف في الآية: (رَّابِيًا): يعني عالياً، منتفخاً، منتفشاً؛ فالانتفاش، والانتفاخ، والعلو من طبع الزبد، لكن بلا أساس ولا قاعدة، غير متماسك ولا متجانس، ويتفرق سريعاً، هذا هو المثل المائي.
ثم قال تعالى: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) يوقد في النار ابتغاء الحلية والمتاع صخر المعدن، عندما يراد استخلاص المعادن: يؤتى بالخام المخلوط بأشياء كثيرة؛ من ذهب، وحديد، و غير ذلك، يُدخل في أفران، ويعرض للحرارة العالية؛ لاستخراج المعدن.

وإذا استُخرج المعدن يدخل بعد ذلك في أفران، ويعرض للنار للتشكيل؛ ليكون حلية أو متاع، فهذا الخام المخلوط لاستخراج المعدن منه لا بد أن يوقد عليه نار؛ فماذا يحدث عند عملية الصهر، أو عند عملية الإيقاد على هذه الأشياء؟ يعلو زبد أيضاً، وتظهر فقاقيع؛ لأن المعادن مخلوطة بأشياء تافهة أو قاذورات، وأشياء خسيسة، ولابد لاستخراج النفيس من حرارة تفصل الخسيس عنه، فإذا وضع في النار علته فقاعات أخرى تسمى خبث المعدِن.

والعلاقة بين المثلين واحدة: وهي ارتفاع الزبد وعلوه على السطح، ثم يلقى ويطرح؛ لأنه لا خير فيه، ويؤخذ الباقي الصافي، المعدن الأصلي، الذي يستفاد منه في الطرق والتشكيل ونحو ذلك.

في الحالين في المثل المائي والناري قال الله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) الزبد يذهب جفاءً؛ ما رمى به الوادي من الزبد، وما رمى به القدر والفرن من الزبد في جنباته؛ يذهب جفاءً ما معنى جفاءً؟ باطلاً، ضائعاً، مطروحاً، مستغنىً عنه، ملقىً، تافهاًً، فيحصل الصفاء للوادي بعد ذهاب الزبد، ويحصل الصفاء للمعدن بعد ذهاب هذا الزبد أيضاً، يصبح المنظر أجمل، يصبح المعدن صافياً، والماء أصفى.

قال الله تعالى عن المرحلة التي تكون بعد ذلك: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ) من الماء الصافي، والمعدن الخالص (فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) يثبت فيها؛ مصنوعات، نباتات؛ ينفع الناس، (فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)، فهذا شجر وهذه حلية ومتاع، ينتفع الناس بالشجر فيأكلون من الثمار، ويتزينون بالحلية ويستخدمون ذلك المتاع، هذا الشيء المشاهد دنيوياً؛ فما هي العلاقة بينه وبين الدين والشرع والإسلام، وما أنزل الله؟
بعدما ساق لهم هذه المشاهد، أو هذين المشهدين المرئيين المتكررين المعروفين عندهم، قال لهم بعد سياقها: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)، عندما يقرأ الإنسان الآية من أولها: يذهب ذهنه ويسير مع هذه العملية الطبيعية التي ينزل فيها الماء إلى الوادي، وذلك الإيقاد الذي يفعله الناس في المعادن، لكن بعد ذلك يأتي الربط: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ).

فضرب الله مثلين للحق في ثباته، للحق في بقائه، للحق في منفعته، للحق في رسوخه، للحق في استفادة الناس منه، للحق عندما يبقى ويستمر، وأيضاً ضرب المثل في هذا للباطل في تفرقه، وعدم تجانسه؛ سبلٌ، وذاك صراط مستقيم، هذه سبل غير متجانسة، ولا متوافقة، هذه أهواء مصدرها إبليس وشياطين الإنس، ثم لها علوٌ في مراحل.
نعم؛ الباطل منتفش. نعم؛ الباطل يعلو أحياناً. نعم؛ الباطل يظهر للناس، ولا يظهر الحق لكثير من الناس، والذي لا يعلم الحقيقة ويرى سطح القدر وسطح الوادي يرى زبداً، يراه منتفشاً طاغياً، يراه منتفخاً عالياً؛ لأنه قال: (رَّابِيًا)، (زَبَدًا رَّابِيًا)، لكن ماذا يحدث له بعد ذلك؟
الله -عز وجل- حكيم لم يرد أن يكون الحق هكذا يُحصل عليه بكل سهولة، وبدون أي معركة ولا مواجهة، ولا تغلب، وإنما أراد أن يكون هنالك صراع، وأن يكون هنالك تغلب في النهاية للحق، وعلوٌ للباطل في البداية، أول ما ينزل المطر، (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا)، أول ما يوقدون عليه في النار تخرج الفقاقيع ويعلو الزبد.

إذاً؛ البداية للزبد، لكن ليس الاستمرار له ولا البقاء، فضلاً عن النفع والرسوخ، ولذلك قال: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)، هذه أشياء محسوسة يضرب الله بها أمثالاً للأشياء غير المحسوسة، ويرينا الحق في رسوخه كالشجرة العظيمة التي لها ثمار، ضاربة في الأرض بجذورها، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَ
يحة أخلاقية: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا) ستخرج، ستبذل، ستذهب (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)؛ لكي يقفوا ويقولوا: ماذا صنعنا؟

بالنسبة لحسابات الأرباح والخسائر، ما كسبوه من التنصير لا يعادل أبداً إطلاقاً المبالغ الهائلة، والجهود التي صرفت: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) [الصف: 8].

تظهر كلمة الحق ولو بعد حين، ينتصر الحق ولو بعد مدة، سيغلِب أهله ولو كانت الجولة لأعدائهم في البداية، لكن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، يقول المؤرخ الأمريكي استودورد: "يكاد يكون نبأ ظهور الإسلام هو الأعجب في تاريخ البشرية؛ إذ ظهر في أمة عرب متمزقين، وكيان منحط، فلم يمض عليه قرن، -أي: مائة سنة فقط- حتى انتشر في نصف العالم، يغير النفوس والدول والأقوام والناس، ويبني حضارة".

"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنار" مسند أحمد.، وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
والدين ينتشر شرقاً وغرباً، وهكذا الكرة الأرضية اليابسة فيها منتشرة شرقاً وغرباً، قطب في الشمال، وقطب في الجنوب، وبحار بينهما، لكنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله زوي لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها" صحيح مسلم.

أقاموا حفلاً تنصيرياً لفتيات مسلمات قد تم إعدادهن مدة من الزمن، ثم بعد ذلك لما خرجن كن بالحجاب الإسلامي، ومجموعة من القرويين يقوم عليهم منصرون يعلمونهم كل يوم، ويعطونهم، ويغذونهم، ثم يأتي واحد يمر أمامهم فيقول: "وحدوه"، فيقولون كلهم: "لا إله إلا الله": (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30].

وبجهود بسيطة: أنت لا تعرف الإسلام، إن أردت معرفته اتبعني، اسألني، اتصل على الرقم الفلاني، هذا مسلم استنبطها من إعلان إطارات، إعلان إطارات على زجاج سيارات، فأسلم عنده أكثر من ألف ألماني، وأقام مسجداً ومركزاً إسلامياً وداراً للتعليم.

أيها الأخوة: الأشياء التي تذهب من الباطل كثيرة، تذهب ثروات ومليارات جمعت لغير وجه الله وبغير حق، مثال ذلك ما ذكر الله تعالى عن قارون: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [القصص:79]، عنده خزائن: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [القصص:76].

مفاتح الخزائن لتنوء بالعصبة أولي القوة، والعصبة: جماعة من الرجال ليسوا ضعافا (أُولِي الْقُوَّةِ) ينوءون بحمل المفاتيح؛ فكيف بالخزائن؟ فكيف بما في داخل الخزائن؟ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، لما خرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص: 79]؛ ماذا كانت النتيجة؟ (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) [القصص:81]، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

أين قوم عاد؟ أين قوم ثمود؟ أين إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وأين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ وأين فرعون ذي الأوتاد؟ وأين حضارة الفراعنة؟ وأين ما كانوا عليه من الملك؛ (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51] كلها ذهبت وانتهت، واضمحلت، (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) [الأعراف:137].

وانتهت حضارة فرعون، انتهت دولة فرعون، الفراعنة انتهوا، وأورث الله بني إسرائيل في ذلك الوقت مشارق الأرض ومغاربها، بقيت الآن أطلال بواقي، أشياء تنبئ أنه كان هنا حضارة وبلاد، لكن انتهت، أهلكهم الله، منهم من خسف به، ومنهم من سلط عليه حاصباًَ، ومنهم من أخذته الصيحة، ومن أخذه الريح والإعصار.

وهكذا؛ خذ اليوم من مذاهب الشيوعية، الوجودية، الإلحاد، البعثية إلى آخره؛ أين ذهبت؟ ماذا بقي منها؟ ذهبت اضمحلت، مذاهب كثيرة جداً، وبدع وطرق: ذهبت انتهت بادت، وبقي القرآن، القرآن لم يتغير، ولم يتبدل، ولم يفنى؛ أين بدعة القول بخلق القرآن؟ انتهت بعدما كان لها كبراء وزراء، من يقومون بها، ويدعون إليها، ويخيفون الناس، ويعذبونهم، لكن انتهت، بادت المدرسة، بقي ما في الكتب عنها، بقي شواذ قلة ممن يقول بها، لكن انتصر منهج أهل السنة، وارتفع ذكر من مثَّله من الإمام أحمد، والبويطي، ومحمد بن نوح، وأهل العلم الذين كانوا على الحق، بقي منهجهم.

حصلت فقاقيع كثيرة عبر التاريخ، هناك كتب كثيرة ألفت، وكتب كثيرة رصدت لها الملايين، وطبعت، ودعايات وإعلانات؛ أين هي الآن؟ ماذا بقي منها؟ كم سطّر الحداثيون ونفخوا فيه من كتب؟ ماذا بقي منها؟ ماذا بقي من الآيات الشيطانية؟ وماذا بقي من الليالي الحمراء المزعومة؟ وماذا بقي من ومن، تضمحل ويبقى كتاب الله -عز وجل-،
2024/09/24 08:25:33
Back to Top
HTML Embed Code: